الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

258

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فلا يغرنك ما منّت وما وعدت ومنه سمّي بالتمنّي طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر . ومعنى : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ أي آمرنّهم بأن يبتّكوا آذان الأنعام فليبتّكنها ، أي يأمرهم فيجدهم ممتثلين ، فحذف مفعول أمر استغناء عنه بما رتّب عليه . والتبتيك : القطع . قال تأبّط شرا : ويجعل عينيه ربيئة قلبه * إلى سلّة من حدّ أخلق باتك وقد ذكر هنا شيئا ممّا يأمر به الشيطان ممّا يخصّ أحوال العرب ، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام التي يجعلونها لطواغيتهم ، علامة على أنّها محرّرة للأصنام ، فكانوا يشقّون آذان البحيرة والسائبة والوصيلة ، فكان هذا الشقّ من عمل الشيطان ، إذ كان الباعث عليه غرضا شيطانيا . وقوله : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ تعريض بما كانت تفعله أهل الجاهلية من تغيير خلق اللّه لدواع سخيفة ، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع الأصنام مثل فقء عين الحامي ، وهو البعير الذي حمى ظهره من الركوب لكثرة ما أنسل ، ويسيّب للطواغيت . ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشم إذ أرادوا به التزيّن ، وهو تشويه ، وكذلك وسم الوجوه بالنار . ويدخل في معنى تغيير خلق اللّه وضع المخلوقات في غير ما خلقها اللّه له ، وذلك من الضلالات الخرافية . كجعل الكواكب آلهة . وجعل الكسوفات والخسوفات دلائل على أحوال الناس ، ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام ، الذي هو دين الفطرة ، والفطرة خلق اللّه ؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق اللّه . وليس من تغيير خلق اللّه التصرّف في المخلوقات بما أذن اللّه فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن ؛ فإنّ الختان من تغيير خلق اللّه ولكنّه لفوائد صحيّة ، وكذلك حلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار ، وتقليم الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي ، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن ، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله . وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سمات كانت تعدّ من سمات العواهر في ذلك العهد ، أو من سمات المشركات ، وإلّا فلو فرضنا هذه منهيّا عنها لما بلغ النهي إلى حدّ لعن فاعلات ذلك . وملاك الأمر أن تغيير